تابع الفصل الأول

 

 

من كتاب "العلاقات الإنسانية"

للكاتب: عبد الله خمّار

 

نموذج من بناء علاقة الزواج

الزواج غير المتكافئ (محمد ديب):

        أراد محمد ديب أن يبين أن أهم اختلاف في علاقة الزواج بين الطرفين هو اختلاف القيم، وقد وظف هذه الفكرة في خدمة موضوع ثلاثيته التي تعرض معاناة الشعب الجزائري برجاله ونسائه وأطفاله وعماله وفلاحيه في الثلاثينات والأربعينات. وقد نسج لنا في الجزء الثاني من الثلاثية: "الحريق". شبكة علاقات بين شخصياتها الرئيسية والثانوية تشمل العلاقة المهنية بين الفلاحين، وعلاقة الاستغلال بينهم وبين المستوطنين الفرنسيين، والعلاقة النقابية والنضالية التي تجمعهم بالمزارعين والعمال والقائد حميد السراج، والعلاقة بين الوطنيين والخونة ممثلين في قره علي عميل السلطة الاستعمارية، وعلاقة الخونة بالسلطة الاستعمارية. وعلاقة الوطنيين بالمستعمرين. والعلاقة التعليمية بين قومندار وعمر، وعلاقات الطفولة والصبا بين عمر وزهور، وبين عمر وأولاد الفلاحين، والعلاقة الأخوية بين زهور وأختها، وغيرها من العلاقات، ومن أهم العلاقات في هذه الشبكة علاقة الزواج بين قره علي وماما بنت قدري، التي هي في الوقت نفسه علاقة بين خائن لقومه وعميل للسلطة وبين امرأة تمثل القيم الأصيلة للشعب الجزائري.

I- مرحلة التخطيط:

1-الفكرة المستهدفة: لنفترض أن الكاتب وضعها كما يأتي:

        "هل يمكن نجاح علاقة الزواج واستمرارها بين شخصين يختلفان في الأخلاق والقيم وفي النظرة إلى الحياة"

        هذا هو السؤال الذي يجيبنا الكاتب عنه من خلال الرواية، ونستطيع أن نتساءل أيهما الأهم: الاختلاف في السن والمزاج والطباع أم الاختلاف في القيم. ويود الكاتب أيضا أن يبرز إلى جانب معاناة الفلاحين معاناة المرأة الجزائرية وصبرها على المحن، وتمسكها رغم أميتها بقيم الشهامة والشرف التي ترضعها مع حليب الأم ورفضها الخيانة بمعنييها العائلي والوطني، كما يبرز الكاتب من خلال هذه العلاقة جشع وطمع ونذالة شريحة ضيقة من المجتمع كانت تتعاون مع الاستعمار ضد أبناء بلدها.

2-العلاقة المطلوب بناؤها إذن هي علاقة سلبية مصيرها الفشل، لأنها تقوم على التناقض بين الطرفين في السن والطباع والأخلاق والقيم وهي الأهم، والشخصيتان المطلوب بناؤهما إذن هما:

        أ- شخصية منحرفة متسلطة هي شخصية قره علي المتعاون مع السلطات الاستعمارية.

        ب- شخصية مستقيمة مظلومة هي شخصية ماما بنت قدري المرأة الشعبية الطيبة المتمسكة بقيم شعبها.

3- تحديد عوامل الانسجام والاختلاف بينهما:

أولا-عوامل الوفاق والانسجام:

        أ-كلاهما من بيئة واحدة فهي من دار "سبيطار" في مدينة تلمسان، وأصله من المدينة أيضا.

        ب-كلاهما أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولكنهما ذكيان.

ثانيا-عوامل التنافر والاختلاف:

        أ-اختلاف المستوى الاجتماعي فهي من أسرة فقيرة، وهو ملاك صغير.

        ب-فارق السن فهو قد تجاوز الخمسين وعمرها أقل من نصف عمره.

        جـ-تنافر الطباع فهو شره وأناني بخيل وشهواني وجشع وحسود لجيرانه، وهي قنوعة تتعاطف مع جيرانها، وهو متكبر يحتقر زوجته والفلاحين وينبهر بالمستعمرين، وهي معتزة بنفسها لا تقبل أن يسخر منها أحد.

        د-اختلاف المزاجين، فهو من أصحاب المزاج المنطوي، ولكن مزاجه خبيث، وهي اجتماعية تربت في جو دار"سبيطار".

        هـ-اختلاف القيم: فهو لا يعرف للشرف معنى، وغايته الثراء والتملك بكل الوسائل، ولو بخيانة وطنه وقومه وعمالته للمستعمر، أما هي فالشرف سعادتها الحقيقية.

        و-اختلاف المشاعر: فهو لا يحب إلا نفسه، ويكره كل الناس بما فيهم جيرانه ويحسدهم ويتآمر عليهم، أما هي فتحب الأهل والجيران.

        وكل هذه العوامل تساهم في تعميق الهوة بينهما في هذه العلاقة.

4-بناء العلاقة:

        تحديد زمن بداية العلاقة وطبيعتها: زواج تقليدي تم منذ عدة سنوات بهدف تكوين أسرة وإنجاب أولاد.

5-تحديد الجوانب الإيجابية في العلاقة:

أولا- تعاونهما في القيام بأعباء البيت

6-تحديد الجوانب السلبية في العلاقة:

أولا-انعدام الاحترام بينهما

ثانيا-انعدام المحبة

ثالثا-انعدام الثقة

8-تطور العلاقة ونهايتها في الرواية:

أولا- الفعل الصاعد.

أ-خيانة الزوج جيرانه ووطنه.

ب-تحرشه بأخت زوجته.

ثانيا-العقدة: مواجهة زوجته له.

ثالثا-الفعل النازل: ضربه لها وضعف مقاومتها.

رابعا-النتيجة:؟

        وبعد أن ينتهي الكاتب من وضع المخطط يبدأ تنفيذه. وسوف نهتم عند التطبيق ببناء العلاقة، أما بناء الشخصية فقد تعرضنا له في الكتاب السابق وسنكتفي بتلخيص مقومات الشخصيتين كمقدمة لبناء العلاقة.

لمحة عن مقومات الزوجين:

        قره علي مزارع في قرية بني بوبلان العليا، تنتج أرضه القمح والشعير والخضر والزيتون والكرز وغيرها، ميسور الحال في الخمسين من عمره، قشف الوجه، أشقر الشعر، أصله من المدينة، أمي ولكنه ذكي، بخيل، حسود وجشع، خبيث الطوية، ذو مزاج منطو ورغبات جامحة، كانت علاقته بالسلطة الفرنسية علاقة عمالة وانبهار وإجلال وثقة فيهم. أما هم فيوهمونه بأهميته ويستخدمونه جاسوسا على جيرانه المزارعين الذين يحسدهم، والفلاحين الذين يحتقرهم ويتكبر عليهم، وكانوا بدورهم يهزأون منه ولا يثقون به ويبادلونه كرها بكره، كانت غايته المادة ودافعه الجشع ووسيلته الخيانة والعمالة.

        أما زوجته ماما قدري فهي في الرابعة والعشرين من عمرها، وقد أتى بها من دار "سبيطار" وهي يتيمة الأب، وأمها "زينة" جارة "عيني". وهي من بيئة فقيرة، كانت لطيفة، دمثة، طيبة، رحيمة، ذكية، تعمل مع زوجها في البيت طيلة النهار. لم يبق لها من آثار الجمال   -كسائر نساء بني بوبلان- نتيجة للعمل المرهق وحمل الأثقال إلا صوتها العذب الرخيم. وأما علاقاتها بأهلها وجيرانها فكانت علاقة محبة ومودة، وكانت غايتها هي العيش الشريف، ودافعها هو الحفاظ على سمعتها وسمعة أسرتها، ووسيلتها عمل الخير وتجنب كل ما يسئ إلى السمعة.

        وهكذا يبدأ الكاتب بناء علاقتهما على التناقض بينهما في كل شئ، في السن والطباع والمزاج والأخلاق والقيم.

تحديد بداية الزواج وطبيعته:

        كان زواجها تقليديا كأغلب الزيجات في ذلك الوقت لتكوين أسرة وإنجاب الذرية، وقد جئ بها من عند أمها في دار السبيطار منذ عدة سنين.

        "لقد اقتيدت" ماما بنت "قدري" من دار سبيطار ذات يوم إلى "بني بوبلان"، حدث ذلك منذ عدة سنين."

الثلاثية -الحريق ص167 ترجمة د. سامي الدروبي

تحديد الجوانب الإيجابية في العلاقة:

        وتتلخص في عنصر واحد: تعاونهما في أعمال البيت: وقد بين لنا الكاتب ساعات العمل:

        "إن قره وامرأته يعملان في البيت منذ الساعة السادسة من الصباح كسائر الناس في منازل بني بو بلان، وينامان بعد صلاة العشاء رأسا."                                                     ص366

        هو يعمل في الحقل في بداية الموسم ثم يعمل في البيت "فهو ينقي البذار، ويرفع الأكياس والبرادع والألجمة، ويقدم العلف للبهائم."

ص367

        أما هي فتعمل في البيت، وتملأ القواديس وتعتني بالمواشي، وتعد الطعام لزوجها، "ومن حسن الحظ أن لها عملا تقوم به، وأنها تظل تعمل في جميع الأيام إلى أن تنفذ قواها وتزهق"                                                           

                                                            ص270

تحديد جوانبها السلبية: وهي:

أ-انعدام الاحترام بينهما:

        لا يحترم قرة علي أحدا إلا الفرنسيين، وهو منبهر بهم:

"الفرنسي إنسان عظيم، إنسان عاقل حكيم، لكأنه واحد من الأوائل، فهو الذي أنشأ أول مزرعة، وغرس أول كرم. كان الفرنسي يعرف ماذا يفعل."                                                                                       

ص233

        وهو لذلك يحتقر كل من عداهم، فهو لا يعتبر الفلاحين بشرا بل حيوانات "وسلم قرة علي مرة أخرى بأن الفلاحين ليسوا إلا حميرا. قال لنفسه: بل إنه ليس من المؤكد أن لهم أرواحا." 

                                       ص226

        فمن البديهي إذن أن يحتقر المرأة ويسفه آراءها عندما تناقشه:

"ماذا حدث لعقل هذه المرأة؟ مالها وللتفكير في هذه الأمور؟.        -يا امرأة هذه أمور فوق ما تطيقين فهمه."

ص274

        وكان الموضوع الذي يتناقشان فيه هو الحروب، وتجنيد الشبان الجزائريين لها، وكانت تحتج على ذهابهم إلى الموت، ومنهم أبناء جيرانها وابن أخت قره، وتجد أن ذلك ليس عدلا، وحين تفحمه بالحجة يقول لنفسه، "إنها امرأة ما عساها تفهم من كل ما يقول لها."

                                                  ص276

        ولأنها كانت تخافه ولا تحترمه فقد قالت له بينها وبين نفسها: "يالك من عقرب عجوز، إن هؤلاء الفتيان الذاهبين إلى الموت قد يكونون أولادك. نعم "لقد كنت دائما تحسد الناس.""

                                                       ص275

        وكان لا يكتفي بإهانتها واحتقارها بل كثيرا ما يضربها ضربا مبرحا:

        "وقصت ماما على أختها ما وقع في الليلة البارحة بينها وبين زوجها، أرتها شفتها الممزقة. وبكت بكاء مرا، واستمطرت السماء وابلا من اللعنات على رأس قره." 

ص371

        وقد بدأ يسئ معاملتها بعد فترة قصيرة من زواجهما، وتمادى أكثر عند فقدانه الأمل في الإنجاب.

"إن قره قد عامل زوجته هذه المعاملة منذ أصبحت تعيش في هذا البيت، بدأ ذلك بعد زواجها بعد مدة يسيرة، ثم تفاقم حين فقد زوجها كل أمل في أن يكون له أولاد في يوم من الأيام." 

                                    ص371

        ومن الواضح، أن فقدانه الأمل في الإنجاب يعني أنه هو السبب وليست زوجته.

جـ-انعدام المحبة:

        لم يكن في علاقتهما أي مودة أو محبة فهو من النوع الأناني الذي يريد امتلاك كل شئ، ولا يعرف الأخذ والعطاء ولاسيما في العواطف:

        "لذلك كانت ترى فيه، كما ترى الآن، هذه العين الكالحة الثابتة ذات النظرة الشرهة، لكأنه يفسد كل ما قد يقع بين يديه، إنه لا ينظر إلى العالم إلا ويستولي عليه جنون التملك." 

                                  ص374

        ومن الطبيعي أن لا يستطيع مثله أن يحب أو يحس بالألفة والمودة، وكانت تحس نحوه بالخوف لا بالحب والأمان:

"-أود لو تبقي الوقت كله معي يا أختي، إنه يخيفني هذا الرجل."

ص 371

        وكانت تشعر بالعذاب عند معاشرته لها:

"حتى إذا قاربها لم تحس إلا بالعذاب."  

                                                     الصفحة نفسها

انعدام الثقة:

        لم يكن يستطيع أن يطلعها على أسراره ويكشف نفسه لها، فهو عميل للفرنسيين وجاسوس حقير، وكل جيرانه المزارعين والفلاحين، كانوا لا يثقون به ويشعرون نحوه بالشك والحذر:

"أما قره فإنها لا تشعر نحوه إلا بالشك والحذر."                                               

ص371

        وبهذا يجزم الكاتب بسلبية العلاقة بينهما، مما جعل الحوار بينهما مستحيلا.

        وقد أدت الاختلافات والتناقضات في السن والمزاج والطباع والقيم، إلى أن يعيش الاثنان غريبين تحت سقف واحد. فقد أدى فارق السن واختلاف المزاج إلى إحساسها العميق بالوحدة، أما الحوار مع زوجها فإما أن يؤدي إلى تسفيه رأيها، فيصبح الحوار بينهما كحوار الطرشان:

        "ظل قره يتفرس في زوجته مدة طويلة، ثم قال:

        - كلامك لا يضيف إلى الأمر شيئا ولا ينقص منه شيئا.

        قال هذه العبارة في استخفاف وغير مبالاة، ثم أضاف.

        - هذا كله لا قيمة له.

        - لماذا؟ هل خلقنا الله لتظل أفواهنا مكمومة؟

        - لأنك تهرفين بما لاتعرفين."

  ص 276

وإما أن يتجاهل ما قالته فتحس أنها تتكلم وحدها:

        "ظلت ماما وحيدة مع زوجها، ثم أخذت تتكلم بعد صمت طويل. إن الرجل معتصم بالصمت لا يقول شيئا. وأدركت زوجته شيئا بعد شيء أن كلماتها تتزلج عليه ولا تلامسه. إن الضياء الأصم الذي يصدر عن المصباح، ويبسط خطوط جسمه الضخم، يجعله أشبه بإنسان من صخر، وأحست ماما بهذا الإحساس المضحك وهو أنها تتكلم وحدها في مكان خال ليس فيه إنسان، فبدت لها أقوالها عبثا لا طائل تحته."

   ص 373

        وقد تغيرت بسبب ذلك فأصبحت جزءا من هذه الجبال:

        "إن شيئا من هذه الجبال قد انتقل إلى ماما منذ تزوجت، أعني شيئا ثقيلا خانقا."

    ص 372.

        ولم تعد تشعر بالفرح إلا عند زيارة أختها لها حيث تشعر بإنسانيتها وتتكلم معها عن همومها:

        "وكانت ماما لا تشعر بفرح إلا في صحبة أختها حين تجيء إليها من وقت إلى وقت." 

ص 371

صبرها وتحملها:

        وقد أظهر الكاتب مع ذلك صبرها عليه وتحملها طباعه السيئة والبغيضة. إلا أنه تمادى في ذلك إلى درجة جعلت العلاقة بينهما مستحيلة وأوصلتها إلى طريق مسدود، فقد أدى به حسده وطموحه الجشع إلى العمالة والخيانة، كما أدت به شهوانيته إلى التلاعب بالشرف والعرض. وقد كانت العلاقة قبل ذلك متوترة كما رأينا، ولكن هذا التوتر ازدادت حدته وتصاعد مع تصاعد حدثين رئيسيين: عائلي، وهو ملاحقة قره علي زهور أخت ماما بدافع الشهوة، ووطني وهو إحراقه مساكن الفلاحين تقربا إلى أسياده الفرنسيين بدافع الطمع والطموح الجشع.

عمالته للفرنسيين وتجسسه لمصلحتهم:

        بين الكاتب في حديثه عن اختلاف القيم بين قره وزوجته، خيانة قره لجيرانه المزارعين والفلاحين واتصاله بالسلطات الفرنسية، وقد أصبح ينقل كل ما يقوله المزارعون والفلاحون إلى أسياده:

        "... أيها الجيران، لأن تموتوا خير من أن تتنازلوا عن أراضيكم، لأن تموتوا خير من أن تتركوا شبرا من هذه الأراضي، إذا تركتم أرضكم تركتكم فعشتم أنتم وأبناؤكم بؤساء إلى آخر الحياة.

        كذلك قال بن أيوب في نهاية النهار. وتفرق المزارعون وفي قلوبهم قلق وجزع.

        ولم تفت قره كلمة واحدة من هذا الكلام."

  ص 208

        وليس غريبا أن يستدعى بعد هذا ولدا جاره بن أيوب إلى الحرب، وكان يخاف أن يكون جيرانه ومنهم بن أيوب قد اكتشفوا عمالته:

        "ترى هل يشتبه فيه جيرانه؟ لقد أحس قره أن بن أيوب تخامره ريبة، فهو فاتر في معاملته منذ بضعة أيام."

   ص 277

 

الحريق:

        ثم حدث إضراب الفلاحين العاملين عند المستوطنين، وفجأة اندلع الحريق في مساكنهم:

        "سرعان ما امتلأت السماء القاتمة فوق الكروم بأضواء حمراء. إن الأنوار الأرجوانية تصطدم بضباب الليل، وتصبغ الهواء الرطب، وتجعل السماء أشد ثقلا. أخذت البرية كلها ترتعش، ففي كل مكان همهمات سريعة واضطراب لا يرى، ووجود يكشف عنه تكسر أغصان." 

ص 308

        وتحولت المساكن إلى رماد وفحم، ووقف عزوز أحد أصحابها يبكي ذاهلا عن كل ما يقال له:

        "ولكن الرجل كان لا يرى بعينه إلا هذه الأكواخ المكلسة التي أصبحت الآن كومة صغيرة من رماد وفحم، لقد احترق كل شيء."

  ص 310

شكوك الزوجة:

        لاحظت ماما أن زوجها خرج ليلة الحريق في ساعة متأخرة، وشعرت بالخوف فلم تستطع النوم، وقد سألته عند عودته عن سبب غيابه فكذب عليها:

        "فلما عاد قره في أول الصباح، سألته ماما وقد يبست أجفانها وتقرحت:

        - ماذا هنالك؟

        - عمال أضربوا عن العمل وأحرقوا مزرعة فيار، يجب أن يتوقع المرء منهم كل شيء.

        لقد قلت ذلك دائما، يجب أن تتوقع ما هو شر من هذا أيضا.

        غصت ماما. هذا ما قاله زوجها في ذلك اليوم، وفي الغد، في الغد لابعده، علمت من الجيران أن هذا الكلام الذي قاله زوجها لا يشتمل على شيء من الصدق."

  ص 326

        وكان هذا هو الحدث الأول الذي جعلها تشمئز من زوجها: "وأخذت ماما تشمئز من زوجها."

  ص 327

        لم يكونا في يوم من الأيام متحابين، ولكنهما أصبحا الآن متباغضين. وقد سمعتها أختها زهور تقول فيما يشبه الهذيان بعد شكها في أن زوجها هو الفاعل:

        "الشرف عندنا هو كل شيء، هو فوق سعادتنا، هذه هي الحقيقة."  

ص 358

        ولم تفهم زهور معنى هذا الكلام.

        أما الحدث الثاني الذي أبرزه الكاتب فهو ملاحقة قره لزهور، أخت ماما وتحرشه بها، ولكنه لم يكتف بالملاحقة، بل أخذ يكثر من الكلام والتعليق عليها وعلى نضجها كامرأة:

        "وفي هذه اللحظة دخل قره واقترب من ماما.

        - أنت تظنين إنني رجل لا ألاحظ شيئا، أليس كذلك؟ إنني أرى زهور دائما، فأدرك أنها على كونها طفلة، تصبح امرأة يوما بعد يوم، ما عمرها؟."

   ص 358

        ثم يواصل بعد أن أخبرته أن عمرها ينوف على أربعة عشر عاما:

        "حقا لقد أصبحت امرأة، امرأة جميلة."

   ص 358

        وكان هذا الكلام يؤلمها ويؤذيها:

        "هكذا أصبح قره يتكلم عنها كل مرة بهذه الصورة. وشيء صغير في قلب ماما كان يبكي كسيرا ذليلا."  

ص 359

        وكانت تتساءل عن قصد زوجها:

        "ماذا كان يريد زوجها في واقع الأمر؟ أتراه كان يظن أن الصغيرة تستطيب هذا الكلام الذي يقوله؟ إنه مخطئ على كل حال. كانت أحاديث قره تنهش روح ماما نهشا."

  ص 359

        وحين فاجأته يحوم حولها ويقترب منها اضطربت اضطرابا شديدا:

        "كانت ماما قادمة بقادوسيها المليئين اللذين كانا يملخان يديها ملخا. فلما وصلت ألقتهما على الأرض في عنف، مرتعشة، وقد تخضب وجهها بحمرة شديدة."

 ص 361

        وتساءلت عن حقيقة ما يحدث:

        "قالت ماما لنفسها: "لا أستطيع أن أقول إلى أي حد تجرني زهور إلى الاعتقاد أن هناك أشياء خطيرة. يجب أن أوضح لنفسي كل شيء في هذا المساء نفسه سأفاتح زوجي. رباه. إن هذه الطفلة تسبب لي قلقا كثيرا. إن وجودها يهلكني.!"

  ص 362

        لقد بلغ السيل الزبى، وطعن زوجها الشرف مرتين، وخان الأمانة مرتين، بإحراقه مساكن الفلاحين وبتحرشه بأختها... بعرضها الذي كان من المفروض أن يكون عرضه. وقررت مواجهته.

المواجهة:

        لقد بلغ التوتر في العلاقة درجة من التأزم بلغت ذروتها، ففاتحته في الأمر حين كانا وحيدين، وأفهمته أنها حريصة على سمعة الأسرة، وأنه ارتكب ما يلوث هذه السمعة:

        "قالت فجأة بصوت مرتعش:

        - أنت تريد أن لا تنشأ بيننا مشاكل، أليس هذا ما تريده؟

        فأجاب قره قائلا: - لست أحرص على ذلك.

        - لا يليق بأسرة كأسرتنا أن تحدث فيها مشاكل. لقد كان الناس يحترموننا دائما إلى الآن. وإني لأوثر أن يدق عنقي ويبقر بطني على أن أسمع الناس يقولون عنا أمورا غير نظيفة. أنت تعرف الناس وتعرف ماذا يمكن أن يقولوا. ما من شيء يوقف ألسنتهم متى أخذت تتحرك. لا أعرف ما الذي تجتره من أفكار. ولكنني لاحظتك وأستطيع أن أقول إن ما فعلته شر." 

ص 373

        ولم يرد أن يسمع شيئا، فلا يريد أن يفسد عليه أحد خططه ومشروعاته، ولكنه يشك في أن تكون عرفت شيئا عن موضوع الحريق وفاعله:

        "ماذا؟ امرأته تتحدث عن الحريق؟ عن العمال الزارعيين؟ ارتعش قره. وصعد في نفسه تيار من الكره يعمي. أتراها علمت بشيء عنه؟ أم أن هناك إشاعات تروج؟

        إن أيسر ما كان يقال هو أن قره علي يعرف من أضرم النار في أكواخ الفلاحين." 

 ص 374

        ومع ذلك لم يبد عليه الخوف، ولكنه بدأ يتحول شيئا فشيئا إلى وحش سادي:

        "وفي هذه اللحظة كانت الأشعة الأولى من الحمى التي تصعد إلى عينيه توسع حدقتيه شيئا فشيئا. وفي ثانية واجهت ماما نظرته."

   ص 375

        ولم تخف من نظرته الوحشية، وواجهته بموضوع زهور:

        "-ما الذي تريده من زهور؟ من الدوران حولها دائما، ما الذي يحملك على أن تنظر إليها؟ أهذا كل ما يهمك عمله؟ لماذا لا تمضي في طريقك حين تلقاها؟

        لماذا لا تدعها وشأنها؟ إن من الأفضل أن لا تدور هذه الأفكار في رأس المرء. إذا كنت تريد شيئا فأنا لن أخلي لك الطريق."

الصفحة نفسها

        وطلب منها الكف عن الحديث ولكنها هددته بفضحه:

        "-قلت كفى.

        - سيعلم الناس جميعا بما رأيته أنا، وسيكون أهلك أول من يعلم به، سيعرفون قيمتك. يشهد الله أنه ما من شيء يصدني عن إعلان ما رأيت."   

الصفحة نفسها

        ولما لم يستطع إسكاتها بدأ بضربها:

        "فما إن قالت المرأة هذا الكلام، حتى هوت على وجهها يدقره الضخمة المحشوة بالعضلات، فأخذت الدموع تسيل على خديها، منتزعة من عينيها انتزاعا بقوة اللطمة."

   الصفحة نفسها

        واستمرت في الحديث

        "- أنت تنوي المشاكل.

        كان صوتها قبل ذلك مكظوما، ولكن المرء أصبح يستطيع أن يكشف فيه اختلاجا يسيرا.

        - لئن شوهدت حول أكواخ الفلاحين، لقد كنت تريد أن تخلق لهم مشكلات. أنا لا أسألك إلا أن تنعم النظر. إذا كنت تفكر في هذا فإنك تريد إحداث متاعب." 

  الصفحة نفسها

        وحاول مرة أخرى إسكاتها بالقوة:

        "فعقد ذراعه حول عنقها يخنقها. عقف في أول الأمر قبضة يدها: فكفت عن الصياح، ولكنها ما لبثت أن تملصت منه فجأة بحركة مباغتة. لم تحاول بعد ذلك أن تتخلص ولا أن تتقي لطماته، أصبحت تتلقى الصفعات على وجهها بغير اكتراث."  

 الصفحة نفسها

        وسقطت على ركبتها والدم ينزف من شفتها المشقوقة الدامية، فقالت وهي تتنفس ببطء شديد:

        "- هل رأيت؟ إنك لا تستطيع الإنكار. معنى هذا أنك كنت تنوي ذلك حقا."

  ص 376

        واستمر في ضربها:

        "لقد أصبح وجهه أحمر قاسيا، وكان يكتفي بالضرب. إن يده تهوي على زوجته بحركات طويلة جامدة، كأنما تحركها إرادة خاصة، وبسرعة ومرونة ليستا في الحسبان، كان يضرب ويضرب."

  ص 376

        ولم يتوقف عن ضربها إلا عند سقوطها، ولكنها عاودت النهوض:

        "حاولت ماما أن تتماسك ثم صاحت معولة، ولكن الدم الذي يملأ فمها أوقف صياحها. وأخذت تنظر إلى زوجها بعينين وسعهما الكره. ونهضت ماما فورا، وانتصبت على قدميها في غير عناء تقريبا." 

 الصفحة نفسها

        ولكنها هوت بعد ذلك، وتمددت في مكانها راقدة رقدتها الأخيرة:

        "رأى قره أنها هادئة رغم إنها كانت ضحية عجز محموم. وبدا له أنه يسمع هذه الكلمة. "انتظر". ولكنه غير متأكد من ذلك. كانت ثياب المرأة ملطخة على صدرها بدم ما يزال حارا. وانتظر قره. كان يلوح أن زوجته توشك أن تقول شيئا، شيئا لا يعرف ما هو، ولكنه رآها تخطو بضع خطوات في الغرفة، وتمضي تقعد. ثم تمددت حيث قعدت."

  الصفحة نفسها

تعليق:

        وهكذا أتم الكاتب بناء العلاقة بحوار من نوع فريد، حوار القوى الظالم المستبد، والضعيف المظلوم الذي لا يرضخ للقوة، فيقول كلمة الحق بأعلى صوته ولو كلفته حياته.

        لقد كان صوتها هو صوت الشعب، صوت المزارعين والفلاحين الذين أحرق مساكنهم، وحميد سراج والعمال الزراعيين الذين تسبب في اعتقالهم، صوت النساء اللواتي تسبب في سوق أبنائهن إلى الحرب، وصوت زهور الطفلة القاصرة التي كان بصدد الاعتداء عليها، وظن أنه بإخماده صوتها سيخمد كل هذه الأصوات، ربما كان هذا صحيحا، ولكن إلى حين. فالكلمة الأخيرة التي قالتها له قبل أن تموت: "انتظر".

        قد ربط الكاتب بين خيانة الوطن وخيانة العرض، والعنف في ضرب الزوجة، وحرق مساكن الفلاحين والوشاية بهم. وقد دافعت ماما بنت قدري عن شرف أهلها وقومها مثلما دافعت عن شرفها وشرف أختها، ودفعت حياتها ثمنا لذلك.

        لقد كان ما حدث نتيجة منطقية لحجر الأساس الذي وضعه الكاتب وهو التناقض الكامل بينهما، وكان الصدام حتميا، وقد نجح الكاتب في بناء هذه العلاقة أيما نجاح، إذ كان بناء العلاقة وتطورها منطقيا لا يفاجئ القارئ وإن صدمه، ولا يدهشه وإن أفجعه. وقد أفلح الكاتب في ربط الخيانة بالعقم، فالخائن لا يغنم من خيانته إلا الازدراء والاحتقار.

التعاطف:

        لاشك أن الكاتب يدفعنا في كل علاقة طبيعية إلى التعاطف مرة مع الزوجة، ومرة مع الزوج، حيث نعطي الحق لها مرة وله مرة بحسب الموقف، أما في هذه العلاقة فنجد أنفسنا مدفوعين إلى التعاطف مع الزوجة على طول الخط، وإلى النفور من زوجها منذ بداية معرفتنا به آسفين على أننا لم نشهد نهايته، وإن كنّا شهدنا ولله الحمد نهاية أمثاله عند الاستقلال، فالكاتب إذن حين يرسم العلاقة يرسم معها اتجاه عواطفنا.

أسلوب الكاتب:

        وقد استعمل الكاتب في عرض هذه العلاقة أساليب مختلفة، وهي:

           1. أسلوب السرد المباشر، وهذا مثال عن وصف الحريق الذي اندلع في مساكن الفلاحين: وكان الفاعل مجهولا:

"أمام صف من الأكواخ الصغيرة التي كان يخرج منها لهب كبير، كان عدد من المستوطنين الفرنسيين يقفون صامتين: كانت وجوههم تصطبغ بالحمرة من لحظة إلى لحظة أمام التماع النار المهتز. إن أذرعهم متدلية، وفي أيديهم بنادق كبيرة يقبضون عليها. إنهم واقفون في ترقب وانتظار. ووصل وراءهم عدد من الفلاحين. كانت النار الواسعة قد التهمت المساكن البائسة وأخذت تهضمها. وكان الرجال مبهورين قد ذهلوا عن أنفسهم."   

ص 308

           2. أسلوب الحوار، وهذا مثال:

"قال قره لزوجه:

- هي حرب كسائر الحروب. لقد وجدت الحروب منذ وجد العالم، وستظل قائمة ما ظل على وجه الأرض بشر.

فأجابته بقولها:

- لماذا؟ ألا يرحم الله مخلوقاته؟

فلم يفهم الرجل. وتساءل: ماذا حدث لعقل هذه المرأة؟ مالها وللتفكير في هذه الأمور؟...

-يا امرأة، هذه أمور فوق ما تطيقين فهمه."  

ص 274

           3. أسلوب مناجاة النفس، أي أن يحدث الإنسان نفسه، وهو أسلوب يطلعنا من خلاله الكاتب على خبيئة وسريرة الشخصية:

"قالت المرأة بينها وبين نفسها: "يالك من عقرب عجوز. إن هؤلاء الفتيان الذاهبين إلى الموت قد يكونون أولادك. نعم... لقد كنت دائما تحسد الناس."  

ص 275

           4. أسلوب استعادة الذكريات، حيث يسرح بالإنسان خياله فيتذكر الماضي، وهو أسلوب يطلعنا به الكاتب على ما حدث في الماضي، وهاهي زهور تتذكر موكب عرس أختها:

"رأت بخيالها أختها العروس وهي تمتطي ظهر حمار حين أوشك الركب أن ينحرف عن الطريق الكبير، ورأتها وسط النساء اللواتي كن يرافقن الموكب تصعد في الدرب الوعر الصعب الذي يؤدي إلى بني بوبلان."  

ص 372

     وقد نوع الكاتب في استعمال هذه الأساليب، وكان ينتقل من أسلوب إلى آخر مما يضفي على النص الإثارة والتشويق.

 

تمرين:

س1: لماذا صبرت ماما بنت قدري على زوجها مع ان علاقتها به سلبية منذ بدايتها؟

س2: هل يمثل قره علي الرجل الجزائري العادي في تلك الفترة أم لا؟ علل إجابتك.

س3: هل تمثل ماما بنت قدري المرأة الجزائرية العادية في تلك الفترة أم لا؟ علل إجابتك.

س4: يعتقد بعض الناس في الخارج أن كل الجزائريين يضربون نساءهم. فهل هذا صحيح؟ علل إجابتك وحدد نوع الرجال الذين يضربون نساءهم.

س5: هل مثل هؤلاء الرجال يوجدون في البلدان الأخرى. أم لا؟ وضح إجابتك.

س6: صنف عوامل الإختلاف بين قره علي وماما بنت قدري حسب أهميتها في نظرك، وعلل إجابتك: "البيئة، الطباع، المزاج، القيم والأخلاق".

 

لقراءة الفصل التالي انقر هنا: الفصل الثالث: دراسة العلاقات الإنسانية

لقراءة الفصل السابق انقر هنا: الفصل الأول: بناء العلاقات الإنسانية وأسسها الأربعة

للاطلاع على فصول الكتاب كاملة، انقر هنا:  العلاقات الإنسانية 

للاطلاع على الكتب التعليمية الأخرى للكاتب انقر هنا: كتب أدبية وتربوية